الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
148
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أن اللّه خلق شيئا من السماء والأرض وما بينهما باطلا فإن في الانتقال من دلالة الأضعف إلى دلالة الأقوى وفي تكرير أداة الإنكار شأنا عظيما من فضح أمر الضالين . [ 29 ] [ سورة ص ( 38 ) : آية 29 ] كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 29 ) عقب الإمعان في تهديد المشركين وتجهيلهم على إعراضهم عن التدبر بحكمة الجزاء ويوم الحساب عليه والاحتجاج عليهم ، أعرض اللّه عن خطابهم ووجّه الخطاب إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم بالثناء على الكتاب المنزل عليه ، وكان هذا القرآن قد بيّن لهم ما فيه لهم مقنع ، وحجاجا هو لشبهاتهم مقلع ، وأنه إن حرم المشركون أنفسهم من الانتفاع به فقد انتفع به أولو الألباب وهم المؤمنون . وفي ذلك إدماج الاعتزاز بهذا الكتاب لمن أنزل عليه ولمن تمسك به واهتدى بهديه من المؤمنين . وهذا نظير قوله تعالى عقب ذكر خلق الشمس والقمر : ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ في أول سورة يونس [ 5 ] . والجملة استئناف معترض وفي هذا الاستئناف نظر إلى قوله في أول السورة وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ [ ص : 1 ] إعادة للتنويه بشأن القرآن كما سيعاد ذلك في قوله تعالى : هذا ذِكْرٌ [ ص : 49 ] . فقوله : كِتابٌ يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير : هذا كتاب ، وجملة أَنْزَلْناهُ صفة كِتابٌ . ويجوز أن يكون مبتدأ وجملة أَنْزَلْناهُ صفة كِتابٌ و مُبارَكٌ خبرا عن كِتابٌ . وتنكير كِتابٌ للتعظيم ، لأن الكتاب معلوم فما كان تنكيره إلا لتعظيم شأنه وهو مبتدأ سوغ الابتداء به وصفه بجملة أَنْزَلْناهُ و مُبارَكٌ هو الخبر . ولك أن تجعل ما في التنكير من معنى التعظيم مسوغا للابتداء وتجعل جملة أَنْزَلْناهُ خبرا أول و مُبارَكٌ خبرا ثانيا و لِيَدَّبَّرُوا متعلق ب أَنْزَلْناهُ ولكن لا يجعل كِتابٌ خبر مبتدأ محذوف وتقدره : هذا كتاب ، إذ ليس هذا بمحزّ كبير من البلاغة . والمبارك : المنبثّة فيه البركة وهي الخير الكثير ، وكل آيات القرآن مبارك فيها لأنها : إمّا مرشدة إلى خير ، وإمّا صارفة عن شرّ وفساد ، وذلك سبب الخير في العاجل والآجل ولا بركة أعظم من ذلك . والتدبر : التفكر والتأمل الذي يبلغ به صاحبه معرفة المراد من المعاني ، وإنما يكون